السينما في الإمارات من الهواء الطلق إلى رفاهية السبع نجوم

خاص | المحرر الثقافي - محمد جيل خضر

0

عكس الراديو (المذياع)، لم تحظ بدايات ظهور الصالات السينمائية في الإمارات بتوثيق جاد ودراسات واسعة

الكاتب إبراهيم الملا، يرجع في تقرير نشره عام 2006 في جريدة “الاتحاد”، سبب الاهتمام بجهاز الراديو، وتوثيق أول ظهور له في دولة الإمارات، إلى الفترة الحساسة التي ظهر فيها ثلاثينيات القرن الماضي، إنها كما يقول: فترة الحرب العالمية الثانية وما تلاها من مد قومي وتحرري، ومن التفات نخبوي وشعبي كبيرين تجاه التغيرات الإقليمية والدولية التي أفرزتها النتائج السياسية والاقتصادية للحرب وما بعدها

الباحث عبدالله عبدالرحمن يورد بدوره في كتابه المهم “الإمارات في ذاكرة أبنائها” إلى أن المدير الإنجليزي لمحطة مطار الشارقة، وكان يدعى السيد جيمس، هو أول من أحضر جهاز الراديو للإمارات في العام 1934، وذلك عندما دعا كلا من عبداللطيف السركال وابنه ناصر وبحضور خان صاحب حسين الملقب بعماد رجل الدولة البريطانية للاستماع لهذا الجهاز العجيب في استراحة المطار

أما بالنسبة لصالات سينما فإن أول شكل للتعامل معها (ولو مجازياً لأن بداياتها لم تكن صالات بالمعنى الحرفي للكلمة بل عروضاً في الهواء الطلق)، فإنه يعود أيضاً لفترة وجود القاعدة البريطانية في الشارقة، حيث فكّر ضباط القاعدة والمسؤولون عنها في العام 1945 الترفيه عن طياريهم وأسرهم وعن الأطقم العاملة من خلال عرض الأفلام الإنجليزية الحديثة في الهواء الطلق، ومن خلال أجهزة تعمل بقياس 16 مليمتر، فكان ما يمكن اعتباره أول دار عرض سينمائية في الإمارات وفي الخليج قاطبة

ترحل القاعدة البريطانية منتصف أربعينيات القرن الماضي وترحل معها الفرجة السينمائية لمواطني المناطق التي أقيمت فيها القاعدة وما حوله، وقد احتاج الأمر بعد ذلك إلى عشرة أعوام، عندما ظهرت في الخمسينات وما بعدها ما أطلق عليه اسم “القوافل الثقافية” التي ستقوم من خلال سيارات (الجيب لاندروفر) المغطاة بعرض أفلام سينمائية إنجليزية وأميركية، وأفلام أخرى توعوية وثقافية في الأحياء الشعبية والمناطق الداخلية. وفي أواسط الستينيات وبداية السبعينيات، ستظهر في دبي والشارقة ورأس الخيمة وكلباء ومناطق أخرى متفرقة بعض الدور السينمائية التجارية البسيطة والبدائية في وسائل عرضها وأماكنها المخصصة للجمهور كي تعرض أفلاماً عربية قادمة من مصر ولبنان، ولم تستمر هذه الظاهرة كثيراً نظراً لفقر الإنتاج السينمائي العربي ودخول الفلم الهندي الغزير إنتاجاً والمتنوع شكلاً كمنافس قوي ووحيد لم يزاحمه أي نتاج سينمائي آخر في غزو الصالات المحلية البدائية المحاطة بجاليات هندية وباكستانية والمعززة بقبول محلي وشعبي واسع، نظرا لتوفر الفيلم الهندي على خيارات ميلودرامية وترفيهية مألوفة ومحببة عند قطاع كبير من الشريحة المجتمعية المتعطشة آنذاك لهذه النوعية من الأفلام

ذاكرة أيام زمان تستعرض لنا أسماء أوائل دور العرض السينمائية في الإمارات، فعلى سبيل المثال يتذكر الدكتور سلطان بن حرمول الباحث والمؤرخ في الشؤون المحلية والتاريخية للمنطقة أول مرّة ذهب فيها مع والده في الخمسينات لمشاهدة الأفلام الإنجليزية في محطة القاعدة البريطانية وكانت قيمة التذكرة آنذاك “ربع آنات أو خمسة وعشرين فلساً”. مواصلاً التذكر، يعود حرمول إلى أواخر خمسينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي اُفتتحت فيها سينما “هارون” في آخر شارع العروبة مقابل السوق المركزي حالياً. يقول حرمول: “وحيث أن هذه السينما لم تكن مسقوفة فإن عروضها كانت تقع تحت رحمة الظروف الجوية، ولكن عشاق الأفلام كانوا يصمدون ويستمرون في المشاهدة حتى لو كانت تمطر بغزارة، وكانت الكراتين والأوراق المقواة هي مظلاتهم البدائية التي يحتمون تحتها، وأذكر أن العروض في هذه السينما كانت تبدأ الساعة التاسعة مساء، وكان يوم الاثنين من كل أسبوع مخصصاً للنساء فقط، وفي الفترة ذاتها تقريبا كانت هناك سينما في دبي تسمى “الوطن” لصاحبها صالح العصيمي، وفي رأس الخيمة ظهرت سينما “النخيل” في الستينات، وفي كلباء كانت هناك سينما أنشأها شخص يدعى مظفّر

ويضيف المؤرخ ‘بن حرمول’ إلى أن أول فيلم كامل شاهده كان في يوم افتتاح سينما “هارون” العام 1958 وكان العرض مجانا وحضر الافتتاح الشيخ صقر حاكم الشارقة آنذاك وجمع غفير من المسؤولينً والأهالي، وكان الفيلم هندياً وعنوانه “نوه رنج” أو “الألوان التسعة”.

أما فيلم ‘عنتر وعبلة’ من بطولة سراج منير فكان أول فيلم عربي يشاهده بن حرمول في سينما “الوطن” بدبي. يقول بن حرمول: “كنت في طفولتي أرى سيارات الإنجليز التي كانت تأتي لمنطقة المصلى في الشارقة وتعرض أفلاما أجنبية، وكان الأهالي يفترشون التراب في الهواء الطلق، ويشاهدون الفيلم من خلال (بروجكترات) تعمل من داخل السيارة وتعكس صورها على شاشة منصوبة على الرمال، وكان لهيئة تدعى “مجلس التطوير” بعد ذلك، دوراً في تفعيل عمل القوافل الثقافية من حيث إشاعة الوعي بين الأهالي من خلال الأفلام الدرامية والوثائقية والتوعوية، وحتى من خلال الأفلام التي تناولت الجانب الصحي والطبي، أما سينما “الشارقة” الشهيرة التي ظهرت أوائل السبعينات فكان يملكها كل من أحمد الملا وسلطان العويس وكانت صالة عرض سابقة لعصرها، وتعتبر من أفخم وأكبر السينمات التي ظهرت في الإمارات تلك الفترة، كما أنها احتوت على مرافق كثيرة ومطعم صيني، وساهم وجود السينما وإقبال الناس عليها بكثافة في إنشاء مطاعم يديرها مواطنون ومحال كثيرة شكلت ما يشبه المجتمع التجاري النابض والحيّ في المنطقة المحيطة بالسينما، وبموازاة دور السينما التجارية هذه كانت هناك أندية ثقافية تعرض أفلاما خاصة كما حدث في النادي الثقافي العربي ونادي “البي بي” والنادي الهندي والنادي الباكستاني ونادي الجيش، أما أول من أحضر الأفلام العربية إلى المنطقة فكان شخصاً من لبنان يدعى الصابوني وكان هو الموزع الوحيد لهذه الأفلام في دبي والإمارات الأخرى”

ثقافة ارتياد صالة السينما حققت إماراتياً في العقدين الأخيرين قفزات لافتة، أسهم في تحققها، تنظيم أبو ظبي ودبي لمهرجانين سينمائيين يحظيان كلاهما بسمعة عالمية مهمة، وتستضيف الإمارات خلال إقامتهما ألمع نجوم السينما العالمية. كما لعب دخول شباب إماراتيين من الجنسين عالم الإخراج السينمائي وصناعة الأفلام، كعنصر جذب للأسر والعوائل، خصوصاً مع تسابق مستثمرين لافتتاح صالات بمواصفات راحة ورفاهية وتقنيات استثنائية رباعية الأبعاد وما إلى ذلك. إنها صالات السبع نجوم، كما هو حال الصالات الموجودة داخل مولات التسوق الكبرى، مثل مول الإمارات ومول دبي وغيرها

تحت عنوان “السينما الإماراتية والمنتظر”، يكتب إبراهيم مبارك في جريدة “الاتحاد” عن التجربة السينمائية الإماراتية. ورغم قصرها، كما يقول، إلا أن مبارك يرى في المقال الذي نشره بتاريخ 19 تشرين الأول (أكتوبر) 2016، أنها تجربة “مستمرة ومحافظة على الحضور، منذ أن انطلقت فكرة المهرجانات، وتتحصل على حضور كبير ودائم من السينمائيين العرب، وغير العرب، والدعم والجدية في تبني مهرجاني دبي وأبوظبي، وحضورهما المكثف من قبل المهتمين والمتابعين للفن السابع وعشق السينما الذي بدأ يظهر بوضوح عند الكثير من الشباب في منطقة الخليج العربي، والاشتراكات الكثيرة من هواة الأفلام والسينما والمحبين لحضور قاعات وصالات السينما، وللصالات ووجودها في الأماكن الجديدة، مثل المولات والأماكن الترفيهية الجميلة

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.