متحف دي كونفليانس في ليون يكشف تعقيدات الزمن

خاص – حصري كتبت رئيس التحرير: نورا المطيري

إلى قلب عاصمة إقليم الرون ومنطقة الرون ألب جنوب شرق فرنسا، إلى مدينة ليون، وتحديدا إلى مكان التقاء الرون مع منطقة ساون، إنتقلت، مجلة مدام الفرنسية، وزارت متحف “دي كونفليانس” المتخصص بعلوم الطبيعة والأنثروبولوجيا، وعلوم الأرض، متحف فلسفة الاجتماع بطعم التبادل الفكري حيث تتقاطع الأراء العميقة لتنتج المعرفة

0

افتتح صرح متحف “دي كونفليانس” العظيم، والذي يحاكي  تصميمه الفن المعماري الحديث، في 20 ديسمبر 2014 ، الذي قد وُلِد على شكل سحابة بلورية عائمة مصنوعة من الزجاج والفولاذ المقاوم للصدأ، ويهدف تشييده إلى إطلاع  الزائر أو الباحث المهتم بعلم الأرض والصخور، وعلم المعادن، والحيوان، والاثنوغرافيا، والآثار والعلوم والتكنولوجيا، ومنحهم فرصة لفهم تركيب عالمنا المعقد، في كيفية أصول نشأة عالمنا الكروي من خلال أربعة عناصر رئيسية، مصنفة على حسب بداية أصول البشرية وصولا إلى إستشراف المستقبل، وعرض تنوع الثقافات والحضارات، وكذلك قراءة مكان الإنسان ضمن سلسلة الحياة والتي تتألف من : الأصول – قصص العالم، المجتمعات – المسرح البشري، الأنواع – وشبكة الأحياء، الخلود – والرؤى من الآخرة

يسأل الإنسان، ومنذ زمن بعيد، ويحاول البحث حول  أصل الأرض والعالم وتكوينهما، وما زال مهتما بشدة، لمعرفة أين مكاننا كبشر في تلك الخريطة الزمنية الشائكة، حيث تروى قصصا كثيرة من الأسكيموا أو قبائل “الإنويت”، والسكان الأصليين لـ الصينيين والهنود، تحاول تفسير بدايات الكون أو الحياة أو الإنسانية،  وكذلك اهتم معظم العلماء والفلاسفة وبحثوا في تاريخ أصول الأنسان وقدم بعضهم أدلة، من وجهة نظرهم، على نظريات مختلفة، ثم جاء متحف “كونفليانس”، ليقول، أن اسرار الإنسان القديم، لم تعد مسألة غامضة بعد الآن

في هذا المتحف العلمي يعرض لكل باحث، المواد التي تغذي تفكيره وتنمي قدراته البحثية لغاية خمس مستويات، من أكثرها سهولة إلى الأكثر صعوبة وتعقيدا، بطريقة ديناميكية، تبدأ من  أصل الأحياء “ديناصورات وكائنات انقرضت”، ثم إلى ظهور “الأدينين” ، وهو  جزيء ضخم يتواجد داخل خلايا كل الكائنات الحية والعديد من الفيروسات، ويحتوي على المعلومات الوراثية التي تسمح بعمل وتكاثر وتطور الكائنات، ثم إلى أصل الكون والذي يتمثل بعلم كوكب الأرض والصخور والمعادن، ثم إلى نهاية الإنفجار الكبير، وكيفية نشأة اسلاف الانسان، حيث صنف العلماء والمختصين، ترتيب الكائنات البشرية إلى ثلاثة اصناف وهي البدائي، والعاقل، والمتطور، عبر بقايا العظام الأحفورية، مع العلم ان هناك تساؤلات عديدة لم تنته حول مكان البشر في هذا التاريخ الذي يبلغ عمره أربعة عشر مليار سنة

يوجد في “دي كونفليانس” مليوني قطعة موروثة، منذ القرن السادس عشر لغاية يومنا هذا، أهمها هيكلان عظميان لديناصورين، شبه كاملين بنسبة 80 في المائة، النظر إليهما يشبع غرائز الباحثين التواقين لفهم الحياة على كوكب الأرض. وفك سفلي للإنسان العاقل، ودروع الساموراي والكثير من القطع التاريخية، التي تجذب المهتمين من محبي العلوم والتقنيات وعلم الآثار وعلم الأعراق البشرية وغيرها

حظيت “مجلة مدام” باستكشاف المتحف الكوني لبرنامج شهر ديسمبر 2018، الذي تمثل بربط بين العلم والفن، وكان البرنامج متنوعا يحتوي على أربعة معارض تدعوا إلى (إعادة) اكتشاف المخلوقات الرائعة، فتجولنا في قسم الخنافس والحشرات غير العادية النادرة، والتي تعد مصدر للعديد من الأساطير والمعتقدات في جميع أنحاء العالم، وكذلك في قسم الطيور البرية النادرة، المعروضة بطريقة علمية فنية رائعة، والتي تسهل على الزائر فهم جنس الحشرات وأماكن تواجدها

ثم إنتقلنا إلى قسم فني للكاتب الإيطالي ومؤلف قصص مصورة “هوجو برات”، وقد عُرف بأسلوبه المتفرد في الجمع ما بين الأسلوب القصصيّ الرائع والمميز، مع البحث التاريخي المكثف، وذلك في بعض أعماله الشهيرة مثل “كورتو المالطي” الذي ترك انطباعًا خالدا في مسلسل كرتوني حول البحث عن الكنز أو في مهمة لفك رموز خريطة قديمة.  في الأثناء، كانت القصص المصورة معلقة على جدران المعرض تجذب الزائر وتسحبه إلى عالم هوجو دون أن يشعر

بعد ذلك، إنطلقنا إلى قسم آخر في المعرض، فني تثقيفي، حيث تجمهرت الوفود السياحية وطلاب جامعات ومدارس حول الصور والقطع الفنية النادرة، فقد جذبت حضارة قبيلة الكلاش الهيمالايا الباحثين والتواقين بمعرفة العالم الآخر، وتبين لنا أن المعرض يكشف عن ذلك المجتمع الذي يعيش في قلب ثلاثة وديان ضيقة في جبال الهيمالايا في شمال غرب باكستان، والعلاقة المقدسة مع الطبيعة، حيث يبلغ عددهم ثلاثة آلاف شخص، يعملون في الزراعة ورعي الماعز، وتم استعراض أدق تفاصيل حياة قبيلة الكلاش البعيدة النائية

 

كان لابد من التوقف عند “يوكينوشيما”، والإطلاع على  طقوس الأرواح اليابانية الغريبة والغامضة، والتي قد يجهلها كثير من الناس، والتي كانت تقوم على الدعاء للحصول على الشفاء أو الازدهار أو الحماية من القوى الشر، وقد يفهم الزائر كيف يركن اليابانيين في تقاليدهم اليومية، إلى الكثير من الدعاء للآلهة والأرواح، يستحضرونهم بقرابين (تميمة قديمة، تمائم، عصي،صلاة) من خلال طقوس تقام في المنزل أو خلال زيارات المعابد والأضرح

قد استهل “دي كونفليانس” ترحيبه بالزوار ، على إيقاع صوت قوي لطبل تايكو، ليجتذب الزائر ويدخله عالما من الأحلام المستوحاة من حياة الياباني، وسط غرفة، مطلة على معبد متوهج في صدر المعرض، حيث تتكشف الحكايات اليابانية بالصور المتناثرة والمقتنيات الثمينة، والتي تربعت في كل مكان، بما يقرب من 80 صورة فوتوغرافية للمصور “تشارلز فريجر”، وقد برزت على طول الجدران بألوان الزاهية، وتم عرض أكثر من 200 قطعة فنية أثرية نادرة

 في زيارتنا إلى متحف  “دي كونفليانس” تبين لنا أن صرح المشروع الديناميكي العملاق، جاء ليدعم القضايا والتحديات المعاصرة ، بأسلوب لم يسبق له مثيل في الكون، وعلى تنوع المتاحف الأوروبية اليوم، والتي تحاول التشكيك في “الوقت الطويل” الذي قضيناه على هذه الأرض، إلا أن “دي كونفليانس” استطاع فهم وتوضيح تعقيدات الزمن في العالم التواق للمعرفة

إنها الأرض منذ نشأتها ، والبشرية في تاريخها وجغرافيتها تطرحها أكثر من 2.2 مليون قطعة تثير الفضول ومتعة الإستكشاف التي تضرب جذورها عميقا في التاريخ

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.